حصلت الكاتبة والكوميدية ميغان كويستر “Megan Koester” على أول مشاريعها الكتابية من خلال إعلان على موقع كريغزلست Craigslist قبل أكثر من 15 عامًا. وبعدها بسنوات، عثرت على شقة بإيجار خاضع للرقابة الحكومية -حيث لا تزال تسكن حتى اليوم- على ذات الموقع.

وعندما أرادت شراء عقار، تصفحت كريغزلست -مجددًا- لتجد قطعة أرض في صحراء موهافي. بنت عليها مسكنًا (لننسى اكتشافها لاحقًا أن الأرض لم تكن مُرخّصة!). ماذا عن الأثاث؟ فرشت ميغان مسكنها بالكامل بأشياء وجدتها في كريغزلست.
ميغان واحدة من بين ملايين عشاق كريغزلست، ومعظمهم في الثلاثينيات أو الأربعينيات، ممن لا يزالون يستخدمون منصة الإعلانات التقليدية هذه، بل ويعتبرونها جزءًا لا يتجزأ من حياتهم اليومية. وكريغزلست مكان لا يزال فيه إخفاء الهوية ممكنًا، ولا يتطلب دفع المال، ويستطيع الغرباء بناء علاقات ثريّة فيه، سواءً كانت علاقات عاطفية، أو بهدف المشاركة في مشاريع إبداعية غير تقليدية (كالبرامج التلفزيونية التجريبية على غرار “البروفة The Rehearsal” و “خدمة المحلفين Jury Duty“).
على عكس الأسواق الإلكترونية البرّاقة مثل سوق فيسبوك، لا يستخدم كريغزلست خوارزميات تَتبّع تحركات المستخدمين وتتنبئ بما قد يودّون رؤيته لاحقًا. كما أنه لا يوفر ملفات تعريفية عامة، أو أنظمة تقييم، أو “إعجابات” و”مشاركات” تُستخدم بصفتها قيمة اجتماعية Social currency. ونتيجة لذلك، يثّبط كريغزلست أي سعي خلف الشهرة والانتشار الفيروسي؛ سلوكيات غالبًا ما تُكافئ على منصات مثل تيك توك وانستغرام.
كريغزلست: رؤية مثالية لإنترنت أكثر جدية
“يظهر المنحرفون الحقيقيون على موقع كريغزلست. هناك نوع من البراءة فيه”
مع ذلك، أصبح الموقع أقل فظاظة مما كان عليه: فقد أغلق إعلانات “العلاقات العابرة” وأزال قسم الإعلانات الشخصية من الإنترنت عام 2018، بعد أن أصدر الكونغرس الأمريكي تشريعًا كان سيُحمّل الشركة مسؤولية الإعلانات من تجار الجنس المحتملين. أما قسم “علاقات مفقودة“، لا يزال نشطًا.
يُطلق على كريغزلست لقب “الإنترنت الشعبوي“، كما وصفته جيسّا لينجل Jessa Lingel، الأستاذة المشاركة في قسم الاتصالات بجامعة بنسلفانيا. إذا صحّ هذا، فإنّ التغيير الاجتماعي على الإنترنت قد تسارع في السنوات الأخيرة، ويعود الفضل في ذلك جزئيًا إلى انتشار الذكاء الصُنعي. حتى ويكيبيديا وريديت، وهما موقعان بسيطان بصريًا أُنشئا في أوائل الألفية الجديدة، ويركّزان على نحو مشابه لموقع كريغزلست على رعاية المجتمعات، قد دمجا نسخًا خاصة بهما من أدوات الذكاء الاصطناعي!

قد يجادل البعض بأن كريغزلست Craigslist، على النقيض من ذلك، قديم الطراز؛ فقد وصفته مقالة نُشرت قبل 15 عامًا بأنه “غير متطور” و”لا يمكن التنبؤ به“. ولكن بالنسبة لأكثر مؤيدي الموقع إخلاصًا، فذاك بالضبط ما يجعله جذابًا.
تقول كات توليدو Kat Toledo، الممثلة والكوميدية التي تواظب على استخدام الموقع لتوظيف مقدمين مشاركين لعرضها الكوميدي “Besitos” في لوس أنجلوس:
“أرى موقع كريغزلست يشهد انتعاشاً. عندما يكون الشيء بسيطاً في هيكله ويخدم المجتمع فعلاً، ولا يطلب الكثير، فهذا ما يبقى”.
اقرأ الاقتباس مجددًا من فضلك
بدأت (كات) استخدام الموقع بداية الألفينات، ولم تتوقف منذ ذلك الحين. على مر السنين، لجأت إلى الموقع للعثور على الحب، والسكن، وحتى وظيفتها الحالية كمساعدة طبيب نفسي شرعي. تعمل هناك بدوام كامل منذ ما يقارب العامين، متجاوزةً عن سمعة الموقع بصفته
“مصدر وظائف مؤقتة مشبوهة”.
ترى (كات) أن “عامل العشوائية” -أي طريقة تسهيله التواصل مع مختلف أنواع الأشخاص الذين يستحيل تفاعلنا معهم في ظروف أخرى- ما يجعل الموقع مثيرًا للغاية.
وتقول إنّ من يستجيبون لإعلاناتها التي تبحث عن مضيفين مشاركين مدفوعي الأجر هم “أشخاص ليس لديهم ما يخسرونه تقريبًا، بل على العكس، لديهم الكثير ليكسبوه“:
- كانت هناك مسيحية تائبة مثّلت لحظة صحوتها الدينية.
- وشاعرة أصرّت على وضع مكياج (كات).
- أما آخرون، مثل ممثلة الإعلانات التي بدأت بالبكاء على الهاتف قبل ذلك، فلم يصعدوا إلى المسرح أبدًا.
من الصعب تحديد عدد مستخدمي الموقع النشطين وعدد مرات تصفحهم لإعلاناته. فالشركة الربحية مملوكة للقطاع الخاص ولا تُشارك بيانات مستخدميها.
ولكن وفقًا لشركة بيانات الإنترنت “سيميلر ويب Similar web“، يجذب كريغزلست أكثر من 105 ملايين مستخدم شهريًا، ما يجعله الموقع #40 الأكثر شعبية في الولايات المتحدة (إنجازٌ رائع لشركة لا تُنفق أي أموال على الإعلان أو التسويق). ورغم انخفاض إيرادات كريغزلست -على نحوٍ ملحوظ- خلال السنوات الست الماضية، وفقًا لتقديرات إحدى شركات تحليل البيانات، لا يزال يحقق أرباحًا طائلة
(تُحقق الشركة إيراداتها بفرض رسوم رمزية مقابل نشر إعلانات عن وظائف مؤقتة، وأنواع معينة من السلع، وفي بعض المدن، الشقق)
ليس مثاليًا بأي حال من الأحوال
وذاك بحسب ما ترى (لينجل). ومع ذلك، نجد فيه مثالًا عمليًا على إمكانية تحقيق أرباح طائلة من مشروع يُعامل المستخدمين على أساس تمتّعهم بقدر من الاستقلالية، ويمنح الجميع درجة من الخصوصية”.
زاد اهتمام لينجل، وهي مستخدمة قديمة، بالموقع بعدما تساءلت: “لماذا تُصرّ جميع شركات جيل الإنترنت الثاني Web 2.0 أن طريقة نجاحها وربحها الوحيدة تتمثل في الاعتماد على بيانات المستخدمين؟ لا بدّ من وجود سُبل أخرى”.
بما تعنينا تدوينة كهذه؟
لا أعلم إن صُنّف اهتمامي بتدوينات تُمجّد التقنيات القديمة بصفته “انحيازًا تأكيديًا”، سوى أنني متأكد بأننا نقف على أعتاب مرحلة جديدة.
مرحلة نعاود فيها استخدام تقنيات أثبتت فعاليتها لسنوات قبل أن تخطف منها “الجِدة” الأضواء.
