كيف نُشعل فتيل ثورة الويب المضادة؟ ✊

مُنحنا عالمًا شاسعًا مقدسًا لاكتشاف الذات والفرح والفلسفة والتواصل؛ مساحاتٍ لانهائية من الفضاء الرقمي، ننمي عليها غاباتنا ومروج خيالنا، ونغرس حدائقنا المعرفية، ونستكشف كهوفنا المصنوعة بأيدينا. أُتيحت لنا فرصة معرفة أي شيء عن أي شيء، حيث نكون بروميثيوس ذات أنفسنا، ونتمنى ونحقق أمنياتنا.

لكن ليس هذا وجه استخدامنا للشابكة اليوم! فبدل استخدامها في تطوير أنفسنا، يستعين بها معظمنا لإهدار طاقته: فنقضي وقتنا في تصفح محتوى رديء ومُضلِل، ونستهلك محتوى تافهًا على منصات التواصل.

وعِوض انغماسنا بحريّة في فضاءات التواصل الرقمي التي ننميها لبعضنا البعض، نغرق في عبثية خدمة الخوارزميات، بينما تُفسِد -الأخيرة- المساعي الإنسانية الصادقة والبسيطة لربط حياتنا بالآخرين. وشيئًا فشيئًا، يتشظى دافعنا القوي لمعرفة أنفسنا وبعضنا البعض وعالمنا، إلى أوهام جوفاء متشبثة بصناعة المحتوى، وفيديوهات عمودية سريعة التنقلّات، ومقالات تلخيصية وسطحية، ورموز تعبيرية مبتذلة!


في الماضي، كان شعور التواجد على الشابكة أفضل بكثير، وسيتذكر بعضكم ذلك.
تعرّفنا -آنذاك- على هواياتنا واهتماماتنا بفضل مئات الخبراء على المواقع الإلكترونية، والتي كان الشغف محرّكها الوحيد [تحدثت عن كريغزلست بصفته مثالًا قائمًا حتى الآن].

اليوم، يعني التعلّم الرقمي مجابهة الإعلانات والهجمات المتواصلة على الانتباه، ومشاهدة قُصاصات فيديو مُجزّئة ومُقدّمة بتعليقات صوتية ركيكة بتقنية الذكاء الصُنعي. اُختزلت المواقع الإلكترونية المميزة من الآلاف إلى ثلاثة فقط، ماذا عن البقية؟ ليست سوى نسخة -مُحسّنة بالذكاء الاصطناعي- ومُعاد إنتاجها بلا روح.

بفضل اهتماماتنا المشتركة ومع بعض روح الدعابة، بنيّنا صداقات متينة مع أشخاص من بلدان شتى.. أقصد “كنّا نبنيها”.
أما الآن، فنرى تلك الشبكات الاجتماعية، التي بُنيت بعفوية وتلقائية، والنابضة بالحياة، تبتلعها شبكات التواصل الاجتماعي .. بلا رحمة! أقفاص بُنيت لاصطيادنا وجذب انتباهنا القصير، وتحويلنا -جميعًا- إلى مطارديّ شهرة وصنّاع محتوى، والأخطر: حرماننا من الشعور بالألفة والتواصل المجتمعي الحقيقي.

كما ذكرت في مقدمة تدوينة سابقة، كتبنا -في السابق- للتعبير عن أنفسنا، وإضفاء الشغف والمعنى على وجودنا الرقمي، وبالنسبة للبعض -بمن فيهم محدثكم- كانت الكتابة أول خطوة في بناء مسيرة مهنية حقيقية.

تغيّر حالنا اليوم، فبتنا نضخّ محتوى أكثر للتعبير عن معنى أقل فأقل، وذلك بهدف توليد دخل لا متناهٍ. وعوض تفكيرنا بروعة حِرفتنا، نفكر فقط في الإنتاجية والانتشار (وإن كنت أظن ألّا أحد يعرف معنى الإنتاجية، وتلك كارثة!)


لا أحاول استحضار ذكرياتك عن الويب
لا يهدف حديثي لإثارة "نوستولوجيا"؛ لا ننسى كيف كانت الشابكة بطيئة وأقل استخدامًا وتنوعًا، واقتصر الوصول إليها على فئة معينة. وإنما كل ما أطلبه: استذكار شعور استخدام الويب، وما فقدناه في ظل سيطرة شركات التكنولوجيا العملاقة، وتقنيات الويب 2.0 و3.0 على الإنترنت.

ولأُنشّط ذاكرتك قليلًا، ما رأيك لو تقرأ هذه التدوينة؟


البشر والشابكة: مَن يخدم مَن؟

في كتابه “أدوات للتعايش Tools For Conviviality“، يُعرّف الفيلسوف التكنولوجي والناقد الاجتماعي (إيفان إيليتش Ivan Illich) لحظتين حاسمتين، وهما الظهور المتفائل والتصنيعية المُثبِّطة، باعتبارهما نقطتي تحول في التطور التكنولوجي: تُصنع الأدوات -بدايةً- لتعزيز قدراتنا على استثمار طاقتنا -وبالتالي قضاء أيامنا- بحرية أكبر، ثم يترافق ازدياد تصنيعها industrialization مع زيادة تلاعبها بالمجتمع وسيطرتها عليه.

يصف إيليتش أيضًا مفهوم الاحتكار الجذري Radical monopoly، وهو حالة هيمنة أداة تكنولوجية على مجال حيوي، مما يجعلها ضرورة لا غنى عنها لدرجة إقصاء “العازفين عن استخدامها” من المجتمع!

وقد رأينا تطبيقه مع السيارات، ومع الإنترنت، بل ونراه أيضاً مع شبكات التواصل الاجتماعي.

تتيح لنا أطروحة إيليتش إعادة صياغة تبنّينا واستخدامنا للتقنيات في حياتنا. ويمكننا ربط معظم التطورات التكنولوجية في المئة -أو حتى المئتي سنة الماضية- بهذا الإطار مباشرًا إلى حد كبير: زيادة صافية، تليها دافعة لاستخلاص القيمة، ثم إصرار لاحق على انتشار التكنولوجيا في كل مكان.


تُعدّ التصورات عن مصانع النسيج، حيث شهدت تحولاً جذرياً في أوائل القرن التاسع عشر مع ظهور آلات النسيج الآلية، من الصور النمطية الهادفة لإضفاء طابع أسطوري على الثورة الصناعية.

يُشيد أنصار الثورة بتحوّل المجتمع من زراعي إلى تكنولوجي، مما أدى إلى خلق قطاعات جديدة للعمالة، ورفع مستوى الطبقة الوسطى. غير أن التكاليف البيئية والبشرية الباهظة -والناجمة عن تزايد إنتاج الأقمشة الرخيصة- موثقة بدقّة:

  • ففي عام 2022، وظّفت صناعات الأزياء والنسيج حوالي 60 مليون عامل في المصانع حول العالم، وكَم نسبة مَن يحصلون على ما يكفي للعيش الكريم؟ أقل من 2%
  • كما يُعاني هؤلاء العمال من جميع أشكال استغلال العمالة، بما في ذلك التضييق الجنساني، واختلاس الأجور، وظروف العمل غير الآمنة.
  • وعلى الصعيد المادي، أدّى تعاظم الاستهلاكية الناجم عن انخفاض الأسعار إلى زيادة استهلاك العالم من المنسوجات بنسبة 400% مقارنةً به قبل 20 عامًا، مع تخلّصه من معظمها (يُنتج الأمريكي العادي 37 كغ من نفايات النسيج سنويًا).

استكشاف الفضاء

منذ بداية عصر استكشاف الفضاء في أواخر خمسينيات القرن الماضي، حققت البشرية قفزات هائلة في فهم عالمنا وأنظمته الفيزيائية، والاتصالات، والتصوير، وغيرها. وقد أدى تزايد وتيرة البعثات التجارية -والسياحية مؤخرًا- في الفضاء إلى توليد كميات هائلة من الحطام الفضائي، سواء من الأقمار الصناعية أو مُخلّفات البعثات السابقة.
يهدد هذا الحطام البعثات المستقبلية، بل وأضرّ بعلم الفلك، مما يجعل من المستحيل استخدام أجهزة الاستشعار والتصوير الأرضية لدراسة الفضاء.

وفي سعينا المحموم لتحقيق مكاسب مالية من الفضاء، نغفل عن رؤية جماله الحقيقي.

فقد ظهرت فكرة شبكة الويب العالمية، ممثلةً رؤيةً للتوافقية وسهولة الوصول والاستخدام، أول مرة عام 1989بصفتها وسيلة تربط الوثائق ومحتويات الوسائط الأخرى عالميًا في نظام مرن التنظيم يُسهّل الوصول إلى المعلومات في مركز سِرن CERN، ومشاركتها مع المتعاونين خارجه.

إذ ظهرت فكرة شبكة الويب العالمية، ممثلةً رؤيةً للتوافقية وسهولة الوصول والاستخدام، أول مرة عام 1989 بصفتها وسيلة تربط الوثائق ومحتويات الوسائط الأخرى عالميًا في نظام مرن التنظيم يُسهّل الوصول إلى المعلومات في مركز سِرن CERN، ومشاركتها مع المتعاونين خارجه.

لكن -وكما توقعت- أدّى تيسّر الوصول، وما تبعه من ضرورة اجتماعية، إلى ظهور إشكاليات لا نهائية للمجتمع البشري، بما فيها: التحرش الإلكتروني والتنمر، والانتشار الآني للمواد الإباحية الإلكترونية، والصور العنيفة، والمعلومات المضللة، وسرقة الهوية، والإدمان، وغيرها.

كما أدى التوسع الصناعي والتجاري المتفشي للويب إلى ظهور أنماط برّاقة وخبيثة لتحقيق الدخل: فكل مساحة معلومات جديدة تقابلها مساحات إعلانية جديدة، وتولّد الصيغ الجديدة للوسائط آليات فريدة لفصلك عن ملكيتها.


الجميع يستهلك موادًا خلاعية 👄، دون علمه أحيانًا!


تستقطب منصات مثل يوتيوب، وتيك توك، وميديوم، وسبستاك، أعدادًا هائلة من صنّاع المحتوى والمعلمين بفضل وعود الربح المادي والوصول إلى جماهير واسعة، لكنها أثبتت -مرارًا وتكرارًا- كيف يُشكّل غياب الملكية مشكلة. فعندما تفشل هذه المنصات، أو تُغيّر قواعدها، أو تُطالبك بالانتقال أو ابتكار طريقة مُحددة للحفاظ على وصولك إلى جمهورك، فإنها تُعرّض الطرفين (صنّاع المحتوى و جماهيرهم) لخطر فقدان أحدهما الآخر. على سبيل المثال/ بدون الالتزام بمتطلبات الخوارزمية، قد لا يتمكن الكُتّاب من كتابة محتوى مؤثر، وبدون تجاوز جدار الدفع، لن يتمكن القراء من قراءته!

عندما تتلاشى وعود الثراء الفاحش وحياة الترف من خلال الربح عبر النقرات (أو عندما تأتي بتكلفة أخلاقية أو إبداعية باهظة)، يتعين علينا إيجاد حلول جديدة لكيفية مشاركة المحتوى التعليمي على الإنترنت. والحل الأنسب والأكثر سهولة هو حل قديم: المدونات. فتقنية HTML مجانيّة منذ الأزل وتقنية RSS فعّالة منذ حوالي 130 عامًا [بحاجة لمصدر!]، وبالإضافة إلى ميزة الإشارات على الويب Webmention، أصبحت قراءة أفكار جديدة، وتجربة أفكار جديدة، والبناء عليها وتطويرها مع الآخرين على الإنترنت أسهل، دون نسيان ملكيتنا الدائمة لهذا المحتوى.

وببعض المعرفة البسيطة بلغة HTML وعدد قليل من البروتوكولات البسيطة، ومع توفّر ساعتيّ فراغ أو ثلاث، يمكنك بناء مساحتك الخاصة ومشاركة هواياتك مع أصدقائك المقربين، وتكوين صداقات جديدة، ثم استهداف “أصدقائك الجُدد” بجرعات الدوبامين المُعتادة.

تذكير:: مَن يستثمر في صنّاع المحتوى؟ ج. الجميع!


تتلخص أطروحة إيليتش في حتمية خدمة التكنولوجيا -والأدوات المشتقة منها- الناس بطريقة تعزز حريتهم وإبداعهم واستقلالهم وإرادتهم. واستخلاص تلك المبادئ على الإنترنت من خلال البرمجيات المبنية يدويًا، والشبكات الاجتماعية الشخصية، والمدونات، يشير بوضوح إلى إجابة واحدة على سؤال كيف يمكن أن يخدم الويب البشرَ على أفضل وجه:

تُعدّ مواقع الويب الشخصية مثالًا يُحتذى به:

  • إذ تُمكّن المستخدمين من الاستقلالية، والتجربة، والتملّك، والتعلم، والمشاركة، والبحث عن الذات، والحب، وإيجاد الغاية.
  • مواقع مُصممة خصيصًا، قابلة للتعديل والتطوير المستمر، مُدمجة في بيئة عامة، بواجهة مستخدم مُدهشة وتجربة مستخدم رائعة.
  • الموقع الشخصي ردٌّ فعل قويٌّ ومُستدام على كل ما سلبته منا “شبكات الإنترنت التجارية”.

والسؤال المنطقي الآن: كيف يمتلك المرء هذه المجموعة المثالية من أدوات التواصل الاجتماعي، ويبني مكانًا يعزز استقلاليته وإبداعه على الشابكة؟

Ⓜ️ ابدأ بخطوات بسيطة

  • ابدأ بخطوات صغيرة، واستمتع بتجربة أشياء قد لا تنجح، ووثّق تطورك، وانشر أفكارك الناجحة والفاشلة.
  • تذكر: بعض أفضل مواقع الويب في العالم ليست سوى صفحات HTML، وهي ملك لأصحابها.
  • كوّن صداقات، واستلهم من الآخرين، وأرسل رسائل ودية تطلب فيها تعلم أشياء جديدة، ولا تطالب نفسك بإنجاز أعمال رائعة من البداية.

Ⓜ️ قلل العقبات أمام النشر

تجاوز التحديات التي تحول دون إطلاق مشروعك:

  • لا تنشغل بالأدوات والأطر البرمجية، فقط اكتب كود HTML وانشر شيئًا ما على الإنترنت.
  • دوّن بعض الأفكار، وانطلق.
  • حدّثها باستمرار؛ دع أفكارك تنمو كالحدائق، كما تنمو في ذهنك.
تعدّ مرونة الإنترنت -التي يراها البعض نقطة ضعفه الكبرى- إحدى نقاط قوته العظيمة.

Ⓜ️ لا تنشغل بالتصميم (إلا لو كنت مهتمًا به أصلًا)

  • لا تشغل بالك بالتصميم إلا لو كان ما يُسعدك.
  • كوّن صداقات مع المصممين وتبادل معهم المنفعة والنصائح والإرشادات.
  • تقبّل فكرة أنك لست بارعًا في شيء ما، فهذا التواضع يُولّد لديك الكثير من الأسئلة لمن تعلموا ويتشوقون لمشاركتها.
  • استمر في المحاولة حتى تصل إلى شيء تفخر به (أو حتى تُفسده وتضطر للبدء من الصفر!)

Ⓜ️ استخدم موقع IndieWeb

  • استغل موقع IndieWeb وبروتوكولاته المصممة بعناية فائقة.
  • استخدم أدوات مثل Bridgy لنشر أفكارك على نطاق أوسع عبر الإنترنت، ثم استخدام خاصية Webmentions لإعادة توجيه النقاشات اللاحقة إلى المحتوى الأصلي؛ بهذا، يمكنك نشر عملك حيثما تفضل، ويستمتع به مستخدمو Bluesky ويناقشونه، تمامًا كما يفعل مستخدمو Mastodon، أو المستخدمون مباشرةً على الرابط الرسمي.

Ⓜ️ انضم إلينا وشاركنا ما صنعته

أشجعك على بناء منزلك الخاص (سأساعدك)، ثم أخبرني لأضمّك إلى قائمة ضحايايّ.


لستَ مجنونًا!

فالإنترنت -فعلًا- متردٍ للغاية، ولأسباب لا تُحصى. لكن السبيل لاستعادة بعض السيطرة هو التحرر من قيود تطبيقات نهاية العالم الخمسة، واستعادة الإنترنت بمفهومها كمجموعة أدوات تُستخدم لبناء شيء تملكه وتفتخر به، أو في معظم الحالات، تخجل منه بشدة.

أتمنى لك التوفيق والنجاح.

المصدر : مُترجم بعبثٍ كبير

كيف نُشعل فتيل ثورة الويب المضادة؟ ✊

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

تمرير للأعلى