هكذا يراكِ العالم، أفنان!

الخيط الأول: مشاهدة فِلم “Unfriended: Deep Web”

الخيط الثاني: رسالة أحمد السعود

الخيط الثالث: تدوينة أفنان عن إنسانة عادية تكتب.

يمكنني تأكيد أن الأمر يتجاوز (الدائرة الحمراء)، ويمتد شاملًا كافة الإشعارات.. حتى إشعارات واتسآب. يبدو أننا أُشبِعنا إشعارات حدّ التخمة؛ فأصبح كل إشعار جديد بمثابة جرس إنذار يحفّز جهازنا العصبي بالكامل.

انتقلنا من مرحلة تفعيل أي إشعار بسيط؛ فقط لنشعر أننا مهمون: أحدهما أُعجب بصورة لك – أحدهم تابعك .. أحدهم ألغى متابعتك! ووصلنا مرحلة اسكِت الضوضاء من حولي.. فالهاتف صامت، ودون إشعارات، وحبذا لو وضعته على وضع “إراحة العيون”. ونحن نظنّه “دليل عُمق شخصيتنا” في حين يراه العلماء المتفلسفون شيئًا آخر؛ لا بدّ أنهم اخترعوا له اسمًا ما: الاستنزاف الحسيّ مثلًا.. لحظة! ذاك اسم حالة حقيقية
إذًا، ربما سيطلقون عليه “متلازمة الهاتف الصامت” … تبًا .. سبقوني إليها أولاد الـ $#%^%$^ !!


عذرًا .. شردت قليلًا..

كنت أفكر بمُبتكر فكرة “التفاعل” التي رافقت ظهور شبكات التواصل.. بمَا كان يفكر؟ كيف تخيّلها على أرض الواقع..؟
ركّز معي عزيزي.. في عصر المنتديات، كان التفاعل مع [المواضيع] معناه: كتابة شيء ما = بذل جهد. ولم يخلو الأمر من محاولات احتيالية -كنشر “مشكور” / “ما قصرت” / “يسلموووو” .. إلخ في كل الموضوعات- لكنها كانت تُقابل بالحزم.
مع ظهور شبكات التواصل، لم تعد مُضطرًا للمخاطرة بإغلاق حسابك. يمكنك “رشّ” الإعجاب على كل منشور دون محاسبة.
لكن لنَعد للمقارنة:
يمكننا تخيّل تجربة المنتديات أشبه بالمهنئين في صلاة العيد. لكن كيف سنتخيل “المُعجبين” في شبكات التواصل؟ ما شعورك حين تخبر أحدهم أنك على حافة الإفلاس، فيقف قبالتك رافعًا إبهامه؟!
هل فهمت الآن لماذا قلت سابقًا: انتهى عصر المتابعين؟

أعترف أنني كثيرًا ما أدفع نفسي دفعًا للتعليق. بل وأُمشّط النص جيئة وذهابًا؛ عليّ أجد فكرة أو فقرة أو أسلوب أجعله مدخلًا لتعليقي.
لكن صدّقني: التعليقات أقرب طريق لقلب المدوّن..


في البداية شعرت بتأنيب ضمير، لأني لا أكتب تعليقات للكتّاب، وربما كنت مقصّرة في حقهم.

جميعنا فاسدون ولا أستثني أحدًا.. بصوت أحمد زكي.

جميعنا مقصّرون.. والله إنني لأزور تدوينات، يغيب الإحساس بالوقت في حضورها، وأضيع بين حُسن انتقاء مفرداتها وبديع فكرتها. وما إن أصل نهايتها، حتى تصفعني حقيقة ألّا أحد علّق عليها!


لكن هذا التأنيب لم يدم طويلًا؛ فقد كنت أمرّ بصراعات داخلية في تلك الفترة، لأسباب خارجية كالهُراء الذي يحدث في العالم من حولنا من حروب وخلافات، وأسباب خاصة لن أذكرها هنا.

الهراء الذي يحدث في العالم، يحدث منذ الأزل. نحن من انتبهنا إليه للتوّ.. نحن من بدأنا في التخليّ عن فردانيتنا مؤخرًا. وأصبحنا نرى العالم الحقيقي .. أعطيك مثالًا؟

كم مرة سمعنا عن حرب أمريكا على فيتنام؟ عن نفسي، سمعت عنها -دون مبالغة- مئات المرات. لكن لم يخطر في بالي ولو لمرة التعمّق في البحث حولها. حتى شاهدت الفيديو التالي..

إنما إحقاقًا للحق، كثيرًا ما أُخرج تركيزي عن شكوى الطرف المقابل لاسأل نفسي: هل يستحق الإنسان المكانة التي يضع نفسها فيها؟
أطرح التساؤل مُدركًا الإجابة: لا..

فليحترق الجميع في جهنم، أنا وأنت وكل العالم. مجرد تضييع للوقت، نعيش في عالم مليء بالحقارة والتفاهة والحقد والكراهية. في النهاية سنموت، ولن يعني كل شيء… أي شيء.

بالضبط.. نحن لا نعني أي شيء.. ولن نعني أي شيء، إلا لو منحنا الآخر معنى.


ربما سيظل صراع الإنسان بحثًا عن المعنى أبدًا، كما كان أزليًا. حيث أجزم أنه لن يرتاح ما لم يُنحيّ نفسه من المعادلة، ويستبدل بها الآخر.

دعني مثلًا أشاركك فِلمًا قصيرًا (قرابة الساعة)، أكاد أعَبده فضلًا عن كاتب الكتاب المُقتبس عنه الفيديو:

لم أرغب بالإقلاع عن التدخين، وتعززت عبثية الأمر حين أُصبت بالسرطان ولم أَمت به.. لكنني منذ بضعة أيام، وجدت نفسي عاجزًا عن فعل أي شيء .. الساعة تُشير إلى الرابعة فجرًا، والأرق يمتصّ آخر ذرّة طاقة لديّ.
وبين ملفّاتي، وجدت هذا الفيديو..

شاهدته … ثم أصبحت مهووسًا به.. وأقصد كلمة (مهووس) حقًا.
أُعيده عدة مرّات في اليوم، أحاول فهم السرّ فيه، حتى أنني سألت كاترينا عنه.

هل اذا استفاد شخص ما من الفيديو، وأقلع عن التدخين، سأكون ذو قيمة؟
لا.. أنا مجرد رسول ثانٍ فقط ..( الرسول الأول هو مخرج الفِلم). ومع ذلك، لست حزينًا..


وكما في أغلب المراحل الصعبة، هدأت تدريجيًا حتى خمدت النار التي كانت تغلي داخلي. 

جميع المشاعر، وليس يصحّ تفريقها لجيدة وسيئة- تخمد بمرور الوقت.

وبهذا نصل لختام هذه التدوينة، والتي جاءت ردًّا على تدوينة الأستاذة أفنان.

هكذا رأتكِ كاترينا يا أفنان
هكذا يراكِ العالم، أفنان!

2 فكرتين بشأن “هكذا يراكِ العالم، أفنان!

  1. تم اضافة “ان يصلني تنبيه بتدوينة عني” في قائمة المخاوف 😋
    احببت كيف رأتني كاترينا، تشبه جدا افنان التي اكتب عنها في المدونة.
    اما عن “الهراء الذي يحدث في العالم” فأختلف معك، فنحن ما “انتبهنا إليه للتوّ..” على العكس تماما، كما كتبت عنه في تدوينة من قبل نحن ولدنا وكبرنا على الهراء وتاريخنا يعج بالمآسي. الذي تغير الآن استطيع ان اصفه كالتالي:
    تخيل انك ذاهب الى العمل، مشوار يومي لا يستغرق اكثر من 20 دقيقة، لكن الطريق على غير العادة مزدحم، يوما بعد يوم بحيث يزيد طول الطريق لأكثر من ساعة ونصف. عندما تتجاوز مرحلة الاختناق في الطريق، في كل مرة تتفحص الشارع، تبحث في كل زاوية عن اثار لأسباب هذه الزحمة في الطريق، شارع متهالك، حادث، حيوانات تعبير، الخ! وفي كل مرة تزداد الزحمة وتقول: ياريت فيه حادث عالأقل فيه سبب للزحمة!
    قبل ان اكمل، احب ان اؤكد اني لا اتقبل ايذاء اي احد ولو لأي سبب، وهذه هي النقطة بالذات، عندما وجدت نفسي اتمنى حروبا حقيقية!
    كانت تُشن الحروب من اجل الموارد، او السلطة، او اثبات وجهة نظر… اما في عالمنا العربي يقاتل و يخون ويشهر باللآخر وينشر الفتنة من اجل معتقد لا يؤمن به، ومال يعلم انه لن يحصل عليه وسلطة لن ينال شيئا منها. الاخبار ليست متعبة بسبب القتل و الموت، متعبة لأني عندما اتابعها اتمنى ان ارى سبب لتشريد وتجويع اولائك الفقارى المساكين! لم يعد الحلم هو السلام، بل احلم بسبب يبرر قتل شخص ما!
    اما بالنسبة للتعليقات، فلا زلت أرى انها لا تضيف اهمية على المدونات، بالعكس تماما، اسعد جدا عندما لا أرى تعليقا على تدوينة اعجبتني، اشعر بالغرور والانانية، كأني اكتشفت كنزا ثمينا لا أرغب مشاركته مع احد. احب ان احتفظ بالكاتب وفنه كصديق قريب اتواصل معه على الايميل بعيدا عن الناس. ما بين نشر تدوينتي وقراءة تدوينتك اللطيفة، قرأت مقالة احمد مشرف عن نفس الموضوع بعنوان “لا تقرأ التعليقات”، اتمنى لك قراءة ممتعة ومتشوقة لأرى رأيك بها.

    1. تم اضافة “ان يصلني تنبيه بتدوينة عني” في قائمة المخاوف 😋

      ذاك يؤكد ما ذكرته لك: أن خوفكِ يمتد لكل أنواع الإشعارات. كما لو كنتِ تفضلين أن تظليّ بعيدة عن الأضواء تمامًا.

      احببت كيف رأتني كاترينا، تشبه جدا افنان التي اكتب عنها في المدونة.

      وذاك أعظم دليل على صدقك في الكتابة 😇

      اما عن “الهراء الذي يحدث في العالم” فأختلف معك، فنحن ما “انتبهنا إليه للتوّ..” على العكس تماما، كما كتبت عنه في تدوينة من قبل نحن ولدنا وكبرنا على الهراء وتاريخنا يعج بالمآسي. الذي تغير الآن استطيع ان اصفه كالتالي:
      تخيل انك ذاهب الى العمل، مشوار يومي لا يستغرق اكثر من 20 دقيقة، لكن الطريق على غير العادة مزدحم، يوما بعد يوم بحيث يزيد طول الطريق لأكثر من ساعة ونصف. عندما تتجاوز مرحلة الاختناق في الطريق، في كل مرة تتفحص الشارع، تبحث في كل زاوية عن اثار لأسباب هذه الزحمة في الطريق، شارع متهالك، حادث، حيوانات تعبر، الخ! وفي كل مرة تزداد الزحمة وتقول: ياريت فيه حادث عالأقل فيه سبب للزحمة!

      قبل ان اكمل، احب ان اؤكد اني لا اتقبل ايذاء اي احد ولو لأي سبب، وهذه هي النقطة بالذات، عندما وجدت نفسي اتمنى حروبا حقيقية!
      كانت تُشن الحروب من اجل الموارد، او السلطة، او اثبات وجهة نظر… اما في عالمنا العربي يقاتل و يخون ويشهر باللآخر وينشر الفتنة من اجل معتقد لا يؤمن به، ومال يعلم انه لن يحصل عليه وسلطة لن ينال شيئا منها. الاخبار ليست متعبة بسبب القتل و الموت، متعبة لأني عندما اتابعها اتمنى ان ارى سبب لتشريد وتجويع اولائك الفقراء المساكين! لم يعد الحلم هو السلام، بل احلم بسبب يبرر قتل شخص ما!

      فهمت وجه نظرك، دون تبرير أو شرحٍ حتى.
      لا زلت مُصرًا على ما قلته “نحن من قررنا الانتباه الآن”. كانت -ولا زالت- أسباب الحروب واهية. فأجزم أنكِ لن تجدي سببًا يبرر قتل الشخص (بل هل هناك شيء كهذا أصلًا؟)

      اما بالنسبة للتعليقات، فلا زلت أرى انها لا تضيف اهمية على المدونات، بالعكس تماما، اسعد جدا عندما لا أرى تعليقا على تدوينة اعجبتني، اشعر بالغرور والانانية، كأني اكتشفت كنزا ثمينا لا أرغب مشاركته مع احد. احب ان احتفظ بالكاتب وفنه كصديق قريب اتواصل معه على الايميل بعيدا عن الناس.

      ربما لا تُضيف أهمية للمدونات، لكنها تجبر بخاطر الكاتب 😉 وإن كنت لا أُنكر تقديري للإيميل والرسائل الشخصية أكثر 🥳

      ما بين نشر تدوينتي وقراءة تدوينتك اللطيفة، قرأت مقالة احمد مشرف عن نفس الموضوع بعنوان “لا تقرأ التعليقات”، اتمنى لك قراءة ممتعة ومتشوقة لأرى رأيك بها.

      بحسب ما فهمته، كلامه موجّه للفنانين في المقام الأول. وهم أشخاص تتألف أعمالهم من أجزاء تُبنى على بعضها؛ ولئلّا يُحب المرء، يُفضّل -بحسب قوله- أن يُشارك العمل بعد الانتهاء منه تمامًا، ومع أشخاص محددين مختارين أيضًا.
      وضعنا مختلف نحن المدونون. فقطع المحتوى “فردية” وقابلة للتقييم بعد كل تدوينة.
      عدا ذلك، ما زلت أرى اهتمامًا حقيقيًا بالتعليقات على التدوينات (من الطرفين)، فلا أرى قطع هذه الصِلة 🙄

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

تمرير للأعلى