مدونة م.طارق الموصللي

لماذا يجب أن تتبنى مفهوم الحياة الخالية من الأهداف؟

الهدف

عن الحياة و الهدف

كما يحدث في كل عام، نبدأ -معشر المدونين- الحديث حول أهداف العام المنصرم، وهدف العام الجديد:

لكنكم بالطبع تعلمون ما أؤمن به عن تحقيق الأهداف السنوية. وأجد أن واجبي -بصفتي محاربًا لثقافة الهوس بالإنجاز- يحتّم عليّ تكرار رسالة التدوينة المذكورة، ودفعك لتفكر في شيء يبدو مخالفًا للحدس: حياة خالية من الأهداف تمامًا!

ماذا لو لم تحدد أي أهداف لعام 2023؟

بعد مراجعة أهداف السنوات القليلة الماضية، أدركت أنني أضع أهدافًا غير واقعية وغير قابلة للتحقيق. ومشكلة الأهداف غير القابلة للتحقيق أنها تقتل حماستك. فالتفاؤل المُفرِط يؤدي -في معظم الأحيان- إلى تخيل أشياء لن تنجزها أبدًا.

بقدر ما يبدو الأمر جنونيًا، يمكن أن تجعلك الحياة الخالية من الأهداف أسعد، في حين قد يجعلك تحديد الأهداف بائسًا.

لماذا نضع أهدافًا؟

إذا اتبعت المنهج الوصفي لتعريف الهدف، فستجده: تحقيق أمرٍ ما. ولما قد ترغب في تحقيقه؟ لأنك تعتقد أنه سيجعلك أكثر سعادة!

عندما تضع هدفًا، فأنت تحدد المستوى التالي الذي تريد بلوغه: ربما يكون مالًا أكثر، أو جمهورًا أكبر لشركتك، وما إلى ذلك. ولكن، سيصل أي شخص بلغ “المستوى التالي” ذاك إلى (الحقيقة المُربكة)..

المستوى التالي مجرد (أُفق وهمي)

بغض النظر عن مستوى نجاحك الحالي، سيكون دومًا مستوى آخر. دائمًا ما المستوى التالي بالمزيد؛ مال أكثر أو متابعين أو معجبين أو أي مقياس يزيد من مكانتنا.

[يهمّنا أن تقرأ ملخص كتاب قلق السعي الى المكانة Status Anxiety | د.اسامة الكردي]

سرعان ما يُصبح كل جديد ومبتكر.. اعتياديًا.
وخيال الأمس الذي بات حقيقة اليوم، سيغدو فكرة عابرة غدًا.
الرضا الذي نحوزه من تحقيق أي هدف لا يُشبع تعطشّنا للسعادة طويلة الأمد (كما تخيلنا).

لا يدرك معظمنا أن المستوى التالي هو أفق وهمي حتى يصلوا إليه.

نظرية تكيّف اللذة Hedonic Adaptation

عندما تركزّ نظرك على النجاح المادي، فلن تكتفي.

من مقابلة (ويل سميث) – برنامج “لا يحتاج ضيفي التالي لتقديم“.

[قبل أن نتناول هذه الجزئية، أدعوك لقراءة تدوينة: ماذا تفعل إن مللت من روتين حياتك؟]

يخلق (تكيّف اللذّة) الدافع وعدم الرضا في آنٍ معًا. حيث يحفزنا على السعي وراء غايات طموحة ويقودنا للنمو الشخصي والمجتمعي. لكنه -أيضًا- يمنعنا من تقدير ما نملك. المفارقة في تكيّف اللذّة أنه يزيد كلًا من الحماسة والتعاسة.

يقول [أوليفر بيركمان Oliver Burkeman] في كتابه الترياق The Antidote:

“سواء استخدمنا كلمة” أهداف “أم لا، فإننا سنستمر بوضع الخطط بناءً على النتائج المرجوة … تمنحنا الحياة الخالية من الأهداف سعادة أكبر.

بعبارات أخرى:

مفهوم الحياة الخالية من الأهداف

تشجع الحياة الخالية من الأهداف على (التسكع المقصود Meandering with purpose) مقرونًا بالاستمرارية والعمل، ولكن دون التركيز المُفرط على نقطة/علامة معينة.

والسؤال الذي سيتبادر إلى ذهنك الآن: “كيف أعرف أنني أُحرز تقدمًا إن لم يكن لدي هدف؟

ركز على مدى من النتائج المحتملة عوض الهدف

كيف تعرف أين تصوب إذا لم يكن لديك هدف؟
تنقسم الإجابة إلى جزئين، الأول خياران هنا:

#1 : أن تقتنع بكون التوجّه هو المقصد 🏹

ثم 2# تختر اتجاهًا عبر توليد مدى للنتائج المحتملة.

يسهّل وجود المدى Range -عوض الهدف- التركيز على العملية لا النتيجة.

ركز على (تطورك) بدلاً من الهدف

إذا وصمت نفسك بالفشل لأنك لم تحقق هدفًا، فأنت تتجاهل فوائد السعي خلف هدف غير مُحقق. يقودنا السعي، لا الإنجاز، إلى التطوّر الذي نختبره عند تحقيق أهدافنا.

إذا شهدت تطورًا في سلوكك بفضل سعيك خلف هدف، لكنك لم تحقق الأخير، فلا يزال ذاك إنجازًا. ولعِلمك، ربما كنت تطبّق السلوك الجديد ذاك لمواصلة هدف آخر تحققه. وعادة ما يؤدي تغيير سلوكك إلى نتائج أفضل من الاكتفاء بتحديد الأهداف.

تجربة شخصية: لفترة طويلة، آمنت بفشلي كمؤلف لأن كتابيّ الأولين لم يفضيا إلى عقد لثالث. ثم أدركت أنني اكتسبت مهارة -أكثر قيمة بكثير- من معرفة كيفية التأليف؛ طورت مهارة صنع الأفكار.
والآن، حتى لو لم أكتب كتابًا آخر لبقية حياتي، فستفيدني تلك المهارة في كل ما أفعله.

التشويق باعتباره مقياسًا للحياة

بشكلٍ أو بآخر، وبعد كل ما مررت به، أدركت أنه في حين اعتدنا قياس حياتنا من خلال الإحصاءات: مثل تعداد موظفينا، وعدد الجوائز، أو الدولارات في الحسابات البنكية، وما إلى ذلك..، فالمعايير الوحيدة التي ستؤثر حقًا في حياتي هي عدد الذين تمكنت من مساعدتهم، واحدًا تلو الآخر، ليصبحوا أشخاصًا أفضل.

كلايتون كريستنسن Clayton Christensen في كتابه: كيف ستقيس حياتك؟ How Will You Measure Your Life?

يمكنك قياس حياتك عبر طرقٍ عدة؛ اِعتاد الناس قياس تطورّ حيواتهم بمقاييس موضوعية وكميّة: كسب مالٍ أكثر، وفقدان وزن أكبر، وما إلى ذلك. لكن (المشوّق) هو ميعار ذاتي لقياس الحياة:

  1. لا يُعتبر (الدولار أو المعجبين أو المتابعين أو أي مقياس آخر كميّ) من وحدات قياسه.
  2. يعتمد على الشخصية؛ ما يثير اهتمام شخص ما قد يثير سأم آخر.
  3. متاح لأي شخص (بغض النظر عن العمر أو العرق أو الحالة الاجتماعية والاقتصادية). شرط تحققه الوحيد: امتلاكك الشجاعة لاحتضان فضولك بغض النظر أينما ستصل.
  4. ليس معلمًا ثابتًا، ويُفسح مجالًا واسعًا للمصادفة، وللفرص غير المتوقعة، ولنوع التطوّر الذي لا يمكنك اختباره عندما تركزّ أنظارك على نقطة/هدف ثابت.

عندما تقيس حياتك وفق “التشويق”، فالأرجح أن تنجح وفقًا لشروطك.

توقّع عدّة احتمالات للمستقبل

ابذل ما بوسعك لتكويّن المستقبل الذي تودّ رؤيته، ولكن دون التمسّك بتفاصيله الدقيقة. عوض ذلك، استبعد ما شئت من احتمالات المستقبل المختلفة. دون أن تنسى الاستعداد لها جميعًا بطريقة ترتقي بك فعليًا وتجلب لك مستقبلًا أفضل مما تتخيل.

أبريل رين April Rinne، بودكاست (The Unmistakable Creative)

عندما تضع (هدفًا) نصب عينيك، فأنت تحصر نفسك ضمن مستقبل محتمل وحيد. ذاك يعني أنك تحاول التحكم والتنبؤ بشيء خارج عن إرادتك ومتقلّب. في حين ستفتح أمامك الاستعاضة عن (الوجهة Destination) بـ (توجّه Direction) خيارات مستقبلية. وربما كان المستقبل الذي ينتظرك أفضل مما تصبو إليه.

عندما تختار توجّهًا، ستصبح مسافرًا ومستكشفًا للعالم وحياتك. التوجّه يوسع احتمالات حياتك. في حين تحدّها الوجهة.

وأخيرًا، يحررك اختيار الاتجاه من التوقعات والتعلق والكثير من المعاناة غير الضرورية. لكنك، عندما تختار وجهة والكثير من التوقعات حول كيفية سير حياتك بالضبط، تتحمل معاناة غير ضرورية.

تتمحور جودة الحياة حول الارتقاء بالأشياء التي لا يمكنك قياسها. وذاك مشوّق حدّ الجنون.

المصدر: Why I’m not Setting Goals for 2023

لماذا يجب أن تتبنى مفهوم الحياة الخالية من الأهداف؟
Exit mobile version